السيد محمد باقر الصدر
38
المعالم الجديدة للأصول ( تراث الشهيد الصدر ج 8 ق 1 )
استدلالياً » ، ومن البديهي أنّ الإنسان بحكم تبعيته للشريعة ووجوب امتثال أحكامها عليه ملزم بتحديد موقفه العملي منها ، ولمّا لم تكن أحكام الشريعة غالباً في البداهة والوضوح بدرجةٍ تغني عن إقامة الدليل فليس من المعقول أن يحرم على الناس جميعاً تحديد الموقف العملي تحديداً استدلالياً ، ويحجر عليهم النظر في الأدلّة التي تحدِّد موقفهم تجاه الشريعة ، فعملية الاستنباط إذن ليست جائزةً فحسب ، بل من الضروري أن تمارس . وهذه الضرورة تنبع من واقع تبعية الإنسان للشريعة ، والنزاع في ذلك على مستوى النزاع في البديهيات . ولكن لسوء الحظ اتّفق لهذه النقطة أن اكتسبت صيغةً أخرى لا تخلو عن غموضٍ وتشويش ، فأصبحت مَثاراً للاختلاف نتيجةً لذلك الغموض والتشويش ، فقد استخدمت كلمة « الاجتهاد » للتعبير عن عملية الاستنباط ، وطرح السؤال هكذا : هل يجوز الاجتهاد في الشريعة ، أوْ لا ؟ وحينما دخلت كلمة « الاجتهاد » في السؤال - وهي كلمة مرّت بمصطلحاتٍ عديدةٍ في تأريخها - أدّت إلى إلقاء ظلال تلك المصطلحات السابقة على البحث ، ونتج عن ذلك أن تقدَّم جماعة من علمائنا المحدّثين ليجيبوا على السؤال بالنفي ، وبالتالي ليشجبوا علم الأصول كلّه ؛ لأ نّه إنّما يراد لأجل الاجتهاد ، فإذا الغي الاجتهاد لم تعدْ حاجة إلى علم الأصول . وفي سبيل توضيح ذلك يجب أن نذكر التطوّر الذي مرّت به كلمة « الاجتهاد » ؛ لكي نتبيّن كيف أنّ النزاع الذي وقع حول جواز عملية الاستنباط والضجّة التي أثيرت ضدّها لم يكن إلّانتيجة فهمٍ غير دقيقٍ للاصطلاح العلمي ، وغفلةً عن التطورات التي مرّت بها كلمة « الاجتهاد » في تأريخ العلم . الاجتهاد في اللغة مأخوذ من الجهد ، وهو « بذل الوسع للقيام بعملٍ ما » ، وقد استعملت هذه الكلمة - لأوّل مرّةٍ - على الصعيد الفقهي للتعبير بها عن قاعدةٍ من القواعد التي قرّرتها بعض مدارس الفقه السنّي وسارت على أساسها ، وهي القاعدة القائلة : « إنّ الفقيه إذا أراد أن يستنبط حكماً شرعياً ولم يجد نصّاً يدلّ